الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
183
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ عطف على قوله : بَاشِرُوهُنَّ لقصد أن يكون المعتكف صالحا . وأجمعوا على أنه لا يكون إلّا في المسجد لهاته الآية ، واختلفوا في صفة المسجد فقيل لا بد من المسجد الجامع وقيل مطلق مسجد وهو التحقيق وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي رحمهم اللّه ، وأحكامه في كتب الفقه وليست من غرض هذا المفسر . تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . تذييل بالتحذير من مخالفة ما شرع إليه من أحكام الصيام . فالإشارة إلى ما تقدم ، والإخبار عنها بالحدود عيّن أن المشار إليه هو التحديدات المشتمل عليها الكلام السابق وهي قوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ وقوله : إِلَى اللَّيْلِ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ من كل ما فيه تحديد يفضي تجاوزه إلى معصية ، فلا يخطر بالبال دخول أحكام الإباحة في الإشارة مثل : أُحِلَّ لَكُمْ ومثل فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ . والحدود الحواجز ونهايات الأشياء التي إذا تجاوزها المرء دخل في شيء آخر ، وشبهت الأحكام بالحدود لأن تجاوزها يخرج من حل إلى منع وفي الحديث « وحدّ حدودا فلا تعتدوها » ، وستأتي زيادة بيان له في قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها . وقوله : فَلا تَقْرَبُوها نهى عن مقاربتها الموقعة في الخروج منها على طريق الكناية لأن القرب من الحد يستلزم قصد الخروج غالبا كما قال تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ الأنعام : 152 ] ، ولهذا قال تعالى في آيات أخرى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [ البقرة : 229 ] . كما سيأتي هنالك وفي معنى الآية حديث « من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه » . والقول في : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ تقدم نظيره في قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] أي كما بين اللّه أحكام الصيام يبين آياته للناس أي جميع آياته لجميع الناس ، والمقصد أن هذا شأن اللّه في إيضاح أحكامه لئلا يلتبس شيء منها على الناس ، وقوله : لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ، أي إرادة لاتقائهم الوقوع في المخالفة ، لأنه لو لم يبين لهم الأحكام لما اهتدوا لطريق الامتثال ، أو لعلهم يلتبسون بغاية الامتثال والإتيان بالمأمورات على وجهها فتحصل لهم صفة التقوى الشرعية ، إذ لو لم يبين اللّه لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد اللّه منها ؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان وغير